ابن عربي
317
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
أبغض إلى اللّه تعالى منها ، ما نظر إليها منذ خلقها ، ولقد عرضت على نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند اللّه جناح بعوضة ، فأبى أن يقبلها ، وما منعه من القبول لها مع ما لا ينقصه اللّه عز وجل شيئا مما عنده كما وعده إلا أنه علم أن اللّه عز وجل أبغض شيئا فأبغضه ، وصغر شيئا فصغّره ، ولو كان قبلها كانت الدليل على محبة قبوله إياها ، ولكن كره أن يخالف أمره ، ويحبّ ما أبغض خالقه ، أو يرفع ما وضع مليكه ، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته . وفي الرسالة طول ، فاقتصرنا منها على هذا القدر من هذا الطريق . ومن قصص عطاء بن أبي رباح مع هشام ما أخبرنا به غير واحد ، عن أبي منصور بن محمد بن عبد الملك ، عن أحمد بن علي بن ثابت ، عن أبي الحسن ، عن أبي أيوب الكاتب القمي ، عن أبي عبد اللّه محمد بن عمران بن موسى المرزباني ، عن محمد بن أحمد الكاتب ، عن عبد اللّه بن أبي سعيد الورّاق ، عن عمر بن أبي شيبة ، عن سعيد بن منصور الرقي ، عن عثمان بن عطاء الخراساني ، قال : انطلقت مع أبي وهو يريد هشام بن عبد الملك ، فلما قربنا إذا بشيخ أسود على حمار عليه قميص دنس وجبّة دنسة وقلنسوة لاطئة دنسة وركابات من خشب ، فضحكت وقلت لأبي : ممن هذا الأعرابي ؟ قال : اسكت ، هذا سيد فقهاء أهل الحجاز ، هذا عطاء بن أبي رباح ، فلما قرب نزل أبي عن بغلته ونزل هو عن حماره فتعانقا وتسالما ، ثم عادا فركبا وانطلقا حتى وقفا بباب هشام . فلما رجع أبي سألته فقلت : حدثني ما كان منكما ، قال : لما قيل لهشام : عطاء بن أبي رباح على الباب أذن له ، فو اللّه ما دخلت إلا بسببه ، فلما رآه هشام قال : مرحبا مرحبا . هاهنا ، فرفعه حتى مست ركبته ركبته ، وعنده أشراف الناس يتحدثون ، فسكتوا ، فقال هشام : ما حاجتك يا أبا محمد ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أهل الحجاز وأهل نجد أصل العرب وقادة الإسلام ، ترد فيهم فضول صدقاتهم ، قال : نعم ، اكتب يا غلام بأن ترد فيهم صدقاتهم . هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أهل الثغور يرمون من وراء بيضتهم ، ويقاتلون عدوّكم ، هل أجريتم لها أرزاقا تدروها عليهم ؟ فإنهم إن هلكوا بمن يتم ، قال : نعم ، اكتب يا غلام ، تحمل أرزاقهم إليهم . هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أهل ذمتكم لا تجيء صغارهم ، ولا تتعتع كبارهم ، ولا يكلفون إلا ما يطيقون ، فإنما يجيئون معونة لكم على عدوّكم . قال : نعم ، اكتب يا غلام ، أن لا يحملوا ما لا